الحلبي

238

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

رضي اللّه تعالى عنها فأذنت له ، فلما قعد ، قالت له : أما خشيت اللّه في قتل حجر وأصحابه ؟ قال : إنما قتلهم من شهد عليهم . وقصة زيد بن حارثة رضي اللّه تعالى عنهما رواها الليث بن سعد . قال : بلغني أن زيد بن حارثة اكترى بغلا من رجل بالطائف ، فمال به ذلك الرجل إلى خربة وقال له : انزل فنزل زيد رضي اللّه تعالى عنه ، فإذا في الخربة المذكورة قتلى كثيرة ، فلما أراد أن يقتله ، قال له : دعني أصلي ركعتين ، أي لأنه رأى أن الصلاة خير ما ختم به عمل العبد ، قال صلّ فقد صلى قبلك هؤلاء فلم تنفعهم صلاتهم شيئا ، وهذا يدل على أن القتلى كلهم كانوا مسلمين ، قال : فلما صليت أتاني ليقتلني ، فقلت : يا أرحم الراحمين ، قال : فسمع صوتا يقول : لا تقتله ، فهاب ذلك ، فخرج يطلبه ، فلم ير شيئا فرجع إليّ ، فناديت يا أرحم الراحمين ، فعل ذلك ثلاثا ، فإذا بفارس على فرس في يده حربة حديد في رأسها شعلة نار فطعنه بها فأنفذها من ظهره فوقع ميتا . ثم قال لي لما دعوت الأولى « يا أرحم الراحمين » كنت في السماء السابعة ، فلما دعوت الثانية « يا أرحم الراحمين » كنت في سماء الدنيا ، فلما دعوت الثالثة أتيتك . أقول : وقد وقع مثل ذلك لرجل من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الأنصار يكنى أبا معلق ، وكان يتجر بمال له ولغيره يسافر به في الآفاق ، وكان ناسكا ورعا فخرج مرة في بعض أسفاره ، فلقيه لص مقنع في السلاح ، فقال له : ضع ما معك فإني قاتلك ، فقال : ما تريد من دمي ؟ فشأنك والمال ، فقال : أما المال فلي ، ولست أريد إلا دمك فقال : ذرني أصلي أربع ركعات ، فقال صل ما شئت ، فتوضأ ثم صلى أربع ركعات ، ثم دعا في آخر سجدة ، فقال : يا ودود ، يا ذا العرش المجيد ، يا فعال لما تريد ، أسألك بعزك الذي لا يرام ، وملكك الذي لا يضام ، وبنورك الذي ملأ أركان عرشك أن تكفيني شر هذا اللص ، يا مغيث أغثني ، وكرر ذلك ثلاث مرات ، فإذا هو بفارس قد أقبل بيده حربة وضعها من أدنى فرسه ، فلما بصر به اللص أقبل نحوه ، فطعنه الفارس فقتله ، ثم أقبل إلى أبي معلق ، فقال : قم ، فقال : من أنت بأبي أنت وأمي ، فلقد أغاثني اللّه بك اليوم ، قال : أنا ملك من أهل السماء الرابعة ، دعوت بدعائك الأول فسمعت لأبواب السماء قعقعة ، ثم دعوت بدعائك الثاني فسمعت لأهل السماء ضجة ، ثم دعوت بدعائك الثالث ، فقيل لي دعاء مكروب ، فسألت اللّه تعالى أن يوليني قتله ، قال أنس رضي اللّه تعالى عنه : من فعل ذلك استجيب له مكروب كان أو غير مكروب . أي وقد وقع نظير هذه المسألة ، أي من حيث إقراره صلى اللّه عليه وسلم على فعل غيره ، وهو أنهم كانوا يأتون الصلاة قد سبقهم النبي صلى اللّه عليه وسلم ببعضها ، فكان الرجل يشير إلى الرجل كم صلى ؟ فيقول واحدة أو اثنتين فيصليهما وحده ، ثم يدخل مع القوم في صلاتهم ،